الرئيسيةدعاءاليوميةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حياة سيدي ابي اسحاق الجبنياني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ghazzaa
إدارة المنتــدى
avatar

عدد المساهمات : 1055
النشاط : 29
تاريخ التسجيل : 19/07/2011


مُساهمةموضوع: حياة سيدي ابي اسحاق الجبنياني   2011-11-16, 00:31



حياة سيدي ابي اسحاق الجبنياني

مقدمـــــــــــــــــــــة

كنت كسائرأغلب الناس لا اعرف
شيئا عن الشيخ سيدي ابي اسحاق الجبنياني الا زاويته الشهيرة ومقبرته الشاشعة التي تجسمت فيها الجهويات والعروشية في ابهى حللها و برغبة ومباركة من الجميع حيث تم الاتفاق منذ انشائها بان يدفن كل عرش امواته بركن معين يسمى باسمه لتسهيل التعرف على القبورعند زيارتها ، وقد خصص ركنا منها للغرباء الذين يوافيهم اجلهم بالجهة و يسمى (جبانة الغربة)،ولم اكن اعرف ايضا سوى زيارات التبرك لضريحه
التي يقوم بها البعض من اهالي الجهة وغيرهم من عدة مدن من الجمهورية مصحوبين بالصدقات و بالشموع والهبات لتأثيث مقامه او تلك الزيارات الجماعية لمقام الولي بمناسبة
ختان الاطفال ، حيث يحمل الطفل الى هناك في موكب بهيج على صهوة جواد وسط غناء وزغاريد ورقص النسوة على قرعات الطبول ونغمات المزامير، او تلك السهرات الدينية التي
تقام في بهو الضريح خلال المهرجان السنوي للولي المذكور، وهي لعمري معلومات بسيطة لا تعطي
فكرة واضحة عن الرجل الذي رسخ اسمه في الذاكرة الشعبية وذاع صيته داخل وخارج البلاد ناهيك ان في قائم حياته كان يشد له الرحال من خراسان في اقصى الشرق وغيرها طلبا لعلمه، ولعل اهم ما اعرفه عنه ايضا هو الحبس العام الصادر عنه والمتمثل في ارضية مدينة جبنيانة وغابات الزياتين والاجنة المحيطة بها والبالغة مساحته قرابة الف وثلاثمائة هكتار .
ومن خلال هذه المعطيات ايقنت ان الرجل كان ذومكانة في قائم حياته جعلته يذكر فيشكر بعد وفاته
لذلك اخذت عهدا على نفسي ان انبش في ذاكرة التاريخ علني اجد ما يشبع رغبتي وتوقي الى
معرفة و دراسة حياته وشخصيته ، الى ان وجدت بعد عناء هذه الترجمة التي جمعها
الفقيه ابو القاسم اللبيدي والعلامة ابو بكرالمالكي رحمهما الله حيث تم التطرق الى
سيرة الشيخ من كل الجوانب حتى كأنك تعرفه عن قرب اوعايشته لفترة طويلة، إذ تم
تقسيم ترجمة حياته الى أبواب ومراحل تسهل على القارئ فهم لماذا يوصف بالولي الصالح..

وقبل ان افسح لكم المجال للقراءة والتمتع بمرافقة خيال وطيف الشيخ وكأنكم تعايشونه ، اردت
ان اسوق لكم عينات مما جاء بهذه الترجمة من صفاته و اقواله وحكمه وراي علماء عصره فيه.

*** قيل له: لمَ اخترت جبنيانة على غيرها? قال: أردت أن يجعل الله ذكري فيها. لأني رأيتها من
أقل القرى ذكراً

*** كان من أعلم الناس باختلاف العلماء، عالماً بعبارة الرؤيا،
ولا يفتي فيها. ويعرف حظاً من اللغة العربية، حسن القراءة للقرآن، يحسن تفسيره،
وإعرابه وناسخه ومنسوخه

*** قال ابو محمد بن يزيد رحمه الله ، لو فاخرنا بنو إسرائيل بعبادها، لفاخرناهم بالجبنياني

*** وكان أبو إسحاق، من أشد الناس تضييقاً على نفسه ثم على أهله، كان يأكل البقل البري والجراد
إذا وجده، ويطحن قوته بيده، شعيراً. ثم يجعله بنخالته، دقيقاً في قدر ماء، مع ما
وجده من بقل بري أو غيره، حتى أنه ربما رمى منه بشيء الى الكلب، فلا يأكله

*** أكل خبزالشعير، بنخالته، كثير لمن كان يرجو في الآخرة شيئاً

*** قال لزوجته لما مات ابنه عبد الله قبل ان يبلغ 30 سنة من عمره =
احمدي الله، فقد مات على الإسلام، وجعل في صحيفتك. فإن كان
عندك طيب فتطيبي، وتجملي لنعم الله عز وجلّ. وأخرج ميزراً عنده، تجمّل به، وركع.
ثم جلس للناس، والبشر ظاهر عليه ...فاين تصرفه من تصرفاتنا اليوم ؟؟؟؟

ghazzaa




ترجمة إمام المالكية إمام العلماء والأولياء والصالحين أبي إسحاق الجبنياني نفعنا الله به المتوفى سنة 399 هجرية

ألايـارجـال المــالكيــة إنـكم ** أيمـــــة أهل الله أهل الفضـائل
فمنواعلينا بالسلامة والغنى ** وجودواعلينا بالهبات الجلائل


هوأحد أئمة المسلمين، وأبدال أولياء الله الصالحين، وقد جمع الفقيه أبو القاسم اللبيدي، وأبو بكر المالكي، من أخباره وسيره، ما ذكرنا هاهنا عيوناً منه :

ذكر بداية أبي إسحاق رحمه الله :

كان أبوه - وهو في حاله - قد أخذ له معلمين، أحدهما للقرآن، والآخر للعربية والشعر، وهو في رفاهة من العيش. قال أبو القاسم: فلقد حدثني من رأى أبا إسحاق في تلك الأيام، وحوله خمسة عشر صقلبياً موكلين بحفظه. وكان والده ينزل بقرية جبنيانة. وكانت من جملة أملاكهم. فيقيم بها الشهور، أكثر أيام النزهة، ومعه ابنه أبو إسحاق، يوجهه الى شيخ معلم بجبنيانة، يقال له ابن عاصم، يقيم عنده، ويتبرّك به، ويتعلم منه، ويختلف إليه بكرة وعشياً. وكان ابن عاصم، قد شهر بالعبادة، وإجابة الدعاء. وكانوا يتبرّكون بدعائه، قد نفع الله به خلقاً كثيراً، فكان يفعل هذا في كل سنة، الى أن بلغ أبو إسحاق الحلم، فدخل قلبه من الخير، ومما يسمع من ابن عاصم، ويرى من فضله، ما أزعجه عما كان فيه، فانخلع من الدنيا ولبس عباءة وهرب. فطلب فلم يوجد. وكان يستأجر نفسه، بما يرد عليها، يقيم به رمقه. قال: ولقد بقي في تلك الحال يومين. يطعم ولم يجد من يستأجره. فإذا برجل يقول: من يحمل هذا المجذوم الى موضع كذا، بثمن درهم. فحمله وأخذ الثمن فاقتات به. ووفق مع زهده الى طلب العلم. فكان لا يسمع في تصرفاته وسياحته، بعالم، إلا أتاه وسمع منه وكتب عنه. ولا برجل صالح، إلا قصده وانتفع به. وأبوه في هذا كله، بعد مع بني الأغلب في حاله. فلقد ذكر أن أبا إسحاق رحمه الله، وجد يعجن طيناً بمدينة سوسة، بأجرة. فقيل له: إن أباك كثير الاجتهاد في طلبك. فقال: قولوا له. أكنت تظن أنه يخرج من ظهرك، من يطلب الحلال? وحجّ سنة أربع عشرة وثلاثماية.


ذكر محله من العلم نفعنا الله به :

وكان أبو إسحاق قد سمع من العلماء. وله من عيسى بن مسكين إجازة. وكتب عن أبي بكر ابن اللباد. قال اللبيدي: وكان ابن اللباد به متعجباً. وكان أكثر دراسته بالساحل، على أبي علي حمود بن سهلون. صاحب ابن عبدوس، وأخذ أيضاً عن محمد بن علي، بن عبد الرحيم بن علي ابن عبد ربه. وأبي يوسف ابن مسلم، وجماعة سواهم. وكان يقول: لقد رأيت هذا الساحل، وما منه قرية إلا بها رجل من أهل العلم والقرآن. أو رجل صالح يزار. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق، حسن الضبط في نقله، وتصحيحه الكتب. إذا سمع من عالم لم يكتب اسمه في كتابه. وكان ممن سمع، وسكت. وكان حافظاً إذا حفظ شيئاً، قلّ ما ينساه. وكان درس من الفقه دواوين، وكتب بيده كتباً كثيرة. وكان من أعلم الناس باختلاف العلماء، عالماً بعبارة الرؤيا، ولا يفتي فيها. ويعرف حظاً من اللغة العربية، حسن القراءة للقرآن، يحسن تفسيره، وإعرابه وناسخه ومنسوخه. لم يدرك حظه من دراسة العلم بالليل، إلا عند ضعفه قبل موته بقليل. وكان لما ضعف بصره، عن قراءة الليل، فجعل ابنه أبا الطاهر، يقرأ عليه. قال أبو القاسم: وكان لا يفتي، إلا أن يسمع من يتكلم بما لا يجوز، فيرد علي. أو يرى فتى يخطئ في صلاته، فيرد عليه. ولقد وقف على مسائل، أفتى فيها جلّة العلماء. فقال لهم: عاودوا الفتيا. فما أراه أجاب إلا عن شغل، فعادوا، فأجابوا بخلاف الجواب الأول. وكان يقرأ، فلما ضعف جعل ابنه يقرأ عليه. فإذا حضر أحد من العامة، قطع القراءة، حذراً عليهم أن يسمعوا ما لا يفهمون، إلا أن يكون كتاب فقه. وكان أبو الحسن القابسي يقول: الجبنياني إمام يقتدى به. وكان أبو محمد بن أبي زيد، رحمه الله، يعظّم من شأنه. ويقول: طريق أبي إسحاق، خالية لا يسلكها أحد في الوقت. ويقول: لئن لم يكن أمر أَوَيْس القرني صحيحاً، فالجبنياني أويس هذه الأمة. ويقول: لو فاخرنا بنو إسرائيل بعبادها، لفاخرناهم بالجبنياني. ويقول: من محبتي فيه، وكثرة ذكري له، إني أراه في المنام. ولقد قوّى قلبي أنه يدعو لي. وأنه رأى جامع مختصر المدونة، الذي ألفته، فأعجبه. وكان أبو محمد التبّان يثني عليه، وكان مسرة بن سالم إذا ذكره، يبكي بكاء عظيماً، ويقول: كان والله مقدّماً علينا في صغره، وفي كبره. قال أحمد بن حبيب: قال أبو القاسم اللبيدي: وكان من أهل العلم، قال لي أبو إسحاق: أتدرسون في هذا الوقت العلم? قلت: نعم. قال فتجتمعون للمذاكرة? قلت: نعم. قال: لقد كنا نجتمع، ولقد لقينا المدونة في شهر، ونلقي الليل، فما علمت أننا نمنا ذلك الشهر، ثم قال وإنما نقوى على السهر بأكل اللحم. ثم قال لي: أي كتاب في أيديكم، تدرسونه? فقلت: العتق الأول. فألقي عليه من أوله، وسوّر المسائل، حتى كأن الكتاب في يده. قال: وكان ينزع بالقرآن والسنّة. وكان العلماء والفصحاء بين يديه، كالغلمان، بين يدي المعلم، من هيبته.


ذكر زهده في الدنيا وسيرته في نفسه وولده وأهله :


قال أبو الحسن القابسي: لما رأيت هديه، وسمته في نفسه، وصلاته وحاله، رأيت شبيه السلف الصالح. وكان يقول: وقف أبو إسحاق على أقل عيش في الدنيا، فقال أروني منزلة دونها أنزل إليها. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق، من أشد الناس تضييقاً على نفسه ثم على أهله، كان يأكل البقل البري والجراد إذا وجده، ويطحن قوته بيده، شعيراً. ثم يجعله بنخالته، دقيقاً في قدر ماء، مع ما وجده من بقل بري أو غيره، حتى أنه ربما رمى منه بشيء الى الكلب، فلا يأكله. وربما عوتب في ذلك، فيقول: الرقاد ما الكلب على المزابل وأكل خبز الشعير، بنخالته، كثير لمن كان يرجو في الآخرة شيئاً. وكان قوته، الذي يأكله من الشعير بنخالته، يتولاه له رجل من إخوانه، يحرثه في أرض حلال، وزريعته حلال، وبقله حلال. فإذا أصاب زرعاً أكثر من القوت تصدّق به. وقوته من الزيت، من عند رجال صالحين. وكان لباسه أولاً: صوفاً من موضع يعرف أصله، فلما تغيرت الأمور - يعني بالفتن - كان يلبس خرق المزابل، يجمعها ويغسلها. ويبطن بعضها على بعض، فيجعل منها شيئاً وسطه، وشيئاً على ظهره، ويخيطها بمسلة من عظم غزال. وكان يتوطأ الرمل. وفي الشتاء يأخذ قفاف المعاصر، الملقاة على المزابل، يجعلها تحته. ويكسر بيته كل واحد جبة صوف، ولفافة على رأسه، فإذا بلغ أحدهم أسقط النفقة عنه والكسوة. وقال له: لا نتقلدك، وكان وطاؤهم حصيراً خلقاً قديماً. وعند رؤوسهم الطوب. ومائدتهم جلدٌ - جلد ضحيته - ولقد مكث قبل موته، نحواً من سبع سنين لم يأكل خبزاً. إنما يلقي الدقيق في القدر، مع ما فيها. وكان إذا مشى، أسرع، حتى لا يكاد يدركه إلا من يجري. قال بعضهم: لقيته يوماً مهموماً. فسألته، ما بالك? فقال: ولما لا أكون مهموماً، والمنكر في داري? والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. قلت: المنكر? قال: أي والله المنكر. قلت: ما هو رحمك الله? قال: قشور قرع ملقاة على بابي، رماها أهلي، يمشون عليها، وفيها قوت، أيموت أحد جوعاً وهو يجد قشور قرع? ثم جمعها، فطبخها لقوته. قال: وكان عند أبي إسحاق، في سنة، زيت حصل له من التعليم. فمرت على الناس شدة، فقيل له: تبيع هذا الزيت بالدين? قال: نعم، لكنني لا أعامل من له ذمة، إنما أعامل الفقراء، ومن لا ذمة له، فباعه منهم. فلما وجب البيع، قال: لي عليكم ألا يأتيني أحد منكم، بشيء مما عليه، حتى أقتضيه منه. فلما زالت الشدة وأيسر بعضهم، أتاه بالثمن. فقال لهم: ما هكذا بيني وبينكم، ثم ترك جميع ذلك لهم. وختم عليه صبي، فأتاه بدينار. فقال له شيخ من أصحابه: أعطني هذا الدينار أعمل لك فيه، ففعل. قال: فلم أزل أتجر له سنين كثيرة حتى حصل به من الزيت ما يساوي مائة دينار، وغلا الزيت. فأخبرته بذلك فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال له: إذا أتتك رقعتي بخطي، فأعمل على ما فيها. فكانت رقعته تأتي بيد فقير، فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. جبر الله يا أخي قلبك، وغفر ذنبك. تدفع الى موصل رقعتي كذا وكذا والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. وهكذا كانت كتبه. ثم صلى على جنازة. فقال لي: بقي من ذلك الزيت شيء? فقلت: لا إلا شيء، من عكر. ففرّقه، وانصرف منه، بنصف قفيز. لا غير ذلك. ورغب إليه رجل من الصالحين في حصار أبي يزيد واشتداد الحال، في دينار، يقبله منه، قرضاً - إذ أعلم أنه لا يقبله على غير ذلك - فأبى. وقال: أنا في غنى عنه. عندي قفيز زيت، وخمسة أثمان شعيراً. فقيل له: وما يغني عنك هذا القدر، وأنت في خمسة من العيال، وفتنة وغلاء? فقال: الاشتغال بهذا من الفضول. قال ابنه أبو الطاهر: وكنا إذا بقينا بلا شيء نقتاته، كنت أسمعه في الليل يقول:
ما لي تلاد ولا استطرقت من نسب وما أؤمّل غير اللـه مـن أحـد
إن القنوع بحمد الله يمـنـعـنـي من التعرض للمنـانة الـنـكـد
إني لأكرم وجهي أن أعـرضـه عند السؤال لغير الواحد الصمـد
فذكر ذلك لأبي الحسن القابسي، فقال: مثل الجبنياني يقول هذا، ويصدق فيه.


ذكر ورعه وخوفه وعبادته واستقصاره بنفسه :


ذكر أنه أول أمره استأجر نفسه عنده رجل، بجهة سوسة، يرعى له بقرة. فأتاه يوماً بفأس فقال: اقطع خشبة من هذه الشجرة. فقال له أبو إسحاق: ليست لك، إنما هي لأخيك. فقال له: صرت لي ضداً? إنما عليك أن تسمع ما آمرك به، فتعمله. فقال له: بلى، على أن أتقي الله. فانصرف عنه، فلحقه بأجرته. فقال له: من أين تدفعها لي أنت? لم تزع عن قطع شجرة أخيك في غيبته، فمن أين تدفع لي? فذهب ولم يأخذ منه شيئاً. وقال أبو بكر السيوطي: صحبته قديماً فكنا ربما استأجرنا أنفسنا في جمع الزيتون، فإذا دفعت إلينا أجرتنا يحط منها، ويقول: نخشى أنا لم نوفِ، فكيف نستوفي? وحضر طعام رجل من أصحابه، فلم يأكل منه، فعتب فيه. فقال: رأيته ترك حلاله، وأكل ذلك أوجب عندي التنزه عن طعامه. ولما رحل الى القيروان، ليسمع من أبي بكر ابن اللباد، جاء بجراديق من شعير، فكان يفطر كل ليلة على واحدة. ويشرب من بئر بروطة. فلما فرغ جرادقه، انصرف، ولم يشتر بها شيئاً يأكل، ولما جاءت فتنة أبي يزيد، واختلطت أملاك الناس في الغنم، ترك شراءَ الرّق، فلم يكتب فيه. قال بعض أصحابه: سرت معه يوماً، وأنا أسوق دابة. فأخذت عوداً من الطريق أضربها به. فقال لي، أهو لك? قلت: لا. قال: القه. قلت: إنه عود ملقى. فقال: كان أصحابنا يزعون عن أخذ الحجر من أرضهم، قلت له: إن مالكاً سئل عن الحبل والعصا? وما لا بال له? فقال: صدقت ولم يقل مالك: أخذه خير من تركه. وأقل ما يُتّقى من ذلك، أنها تصير عادة، هو أكثر من ذلك. وقال بعض أصحابه: رأيت في المنام رجلاً مشهوراً بالفسوق، يرجم بحجارة من السماء. فذكرت ذلك لأبي إسحاق. فأقبل عليّ، وهو مذعور. فقال: سألتك بالله أنا هو? يكررها عليّ، حتى حلفت له بالله، أنه إنما هو إلا فلان. فقال: والله ما أعلم أحداً أحقّ بذلك مني. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق ظاهر الحزن، كثير الدمعة، يسرد الصيام. قال ابنه أبو الطاهر: إنه ما رآه مفطراً قطّ. قال، وقال لي أبي: إن إنساناً أقام في آية سنة، لم يتجاوزها، وهي قوله تعالى: "وقفوهُم إنهم مسؤولون". فقلت له: أنت هو? فسكت. فعلمت أنه هو. وكان إذا دخل في الصلاة، لو سقط البيت الذي هو فيه، ما التفت. إقبالاً على صلاته. واشتغالاً بمناجاة ربه. ولقد جمع أولاده يوماً، لزيارة أمهم، وجاءوا بلحم، فطبخته لهم في ركن البيت، وتعشّوا، والشيخ في الركن الآخر يصلي، فبعد مدة قال لأمهم: ما لكم لم تعملوا عشاءً - لشدة إقباله على صلاته. وحكى بعضهم: إنه جاء يوماً فسلم عليه، وقبّل في عنقه. قال: فردّ يده، وصفع نفسه. فبكيت بكاء عظيماً. فقال لي: ما يبكيك? قلت لأن هذا كان بسببي. فقال: عنقي بالصفع أولى منه بالقبلة. وقيل له: لمَ اخترت جبنيانة على غيرها? قال: أردت أن يجعل الله ذكري فيها. لأني رأيتها من أقل القرى ذكراً. قال أبو القاسم: ولقد رأيته يوماً وعظ، فبكى وأبكى، حتى اتصل البكاء بخارج الدار. فصارت كأنها مناحة. فلما رأى ذلك، خاف الفتنة على نفسه .
فنظر الى نعل ملقاة، بحذائه، فقال لمن حوله: سألتك بالله خذوا هذا النعل، واصفعوا بها هذا الشيخ السوء، الذي يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ولا ينتهي عنه. ونبت في ساقه نبت. فقيل له: دواؤه فخذ البقر، سخناً مع الزيت، حتى يطيب. فسأل عن بقرة أصيلة. فقيل له عند علي بن عيشون، فقال: إنه قد مات، وترك ورثة فيهم أطفال. وسمع رحمة الله عليه كلباً ينبح، فقال لأصحابه: هذا الكلب والله أنصح لأهله مني. لأنه يحرس لأهله ويمنع عنهم، وهم يجيعونه ويضربونه. فأنا قد منّ الله علي بالإسلام، وحضني على ما فيه نجاتي، فققصرت ولم أنصح نفسي. قال أبو عبد الله محمد بن مالك الطوسي: انتسخت من أبي إسحاق كتاباً فيه رقائق، وحكايات، فقلت لولده عبد الرحمن: عسى تلطف به حتى نسمعه منه، فجئناه فقلنا: أصلحك الله نحب أن تقابل هذا الكتاب بين يديك. فقال: افعلا. فلما أخذنا لنقابل، قلنا أصلحك الله تعالى، على من قرأته، أو عن من رويته? فأخذ الكتاب من يدي، وقال: انصرف. فقلت له: لو ترك العلماء الرواية لذهب العلم وانقطع الأثر، وأنت تعلم ما جاء فيمن كتم علماً. فقال لي وهو يبكي: أليس في الحديث يجهل هذا العلم من كل خلق عدوله، ينفون عنه تحريف القائلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين? فقلت: نعم. فقال: شيخ جبنيانة ليس
بعدل، حتى تقبل شهادته على النبي صلى الله عليه وسلم. فانصرفت عنه. ولما ورد أبو حامد الخراساني إفريقية. وصل الى الجبنيانة، فسلّم عليه. وقال له: جئتك من خراسان زائراً. فقال له الشيخ: إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك، فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن بها من العلماء. ثم حرم الله، وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم والشام، ومصر، وتأتي الى المغرب، الى شيخ بجبنيانة تقول هذا? فبكى أبو حامد، وقال له: لو تكن هكذا لم آتك. وكان أبو حامد هذا يقول: رأيت بالمغرب أربعة ما رأيت مثلهم، علي بن محمد بن مسرور الدبّاغ. فلم أرَ أكثر حياء منه. وأبا إسحاق السبائي، فلم أرَ أعقل منه، وأبا الحسن الكانشي، فلم أرَ أظهر حزناً منه. وأبا إسحاق الجبنياني، فلم أرَ أزهد منه. وكان إذا رأى اجتماع الناس يقول: كانت أمي رحمها الله، خادماً وثمنها كذا وكذا، ويذكر ثمنها نزراً. وكانت صلاته - رحمه الله - صلاة العلماء، تامة موجزة. وكان مع سعة علمه، يأخذ بالجد والاجتهاد، وما يخرجه من الخلاف، ونسي يوماً الإقامة من بعض الصلوات. فلما سلم، قال لمن خلفه: إني نسيت الإقامة، ولا يلزمكم عندي إعادة. وأنا أعيد صلاتي. لأخرج من اختلاف العلماء. فاحتاط لنفسه رضي الله عنه. لأن عطاء ابن أبي رباح، والأوزاعي وغيرهما، يريان الإعادة، على من نسيها. رضي الله عنهم أجمعين، وغفر لهم وبالله التوفيق.، حتى تقبل شهادته على النبي صلى الله عليه وسلم. فانصرفت عنه. ولما ورد أبو حامد الخراساني إفريقية. وصل الى الجبنيانة، فسلّم عليه. وقال له: جئتك من خراسان زائراً. فقال له الشيخ: إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك، فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن بها من العلماء. ثم حرم الله، وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم والشام، ومصر، وتأتي الى المغرب، الى شيخ بجبنيانة تقول هذا? فبكى أبو حامد، وقال له: لو تكن هكذا لم آتك. وكان أبو حامد هذا يقول: رأيت بالمغرب أربعة ما رأيت مثلهم، علي بن محمد بن مسرور الدبّاغ. فلم أرَ أكثر حياء منه. وأبا إسحاق السبائي، فلم أرَ أعقل منه، وأبا الحسن الكانشي، فلم أرَ أظهر حزناً منه. وأبا إسحاق الجبنياني، فلم أرَ أزهد منه. وكان إذا رأى اجتماع الناس يقول: كانت أمي رحمها الله، خادماً وثمنها كذا وكذا، ويذكر ثمنها نزراً. وكانت صلاته - رحمه الله - صلاة العلماء، تامة موجزة. وكان مع سعة علمه، يأخذ بالجد والاجتهاد، وما يخرجه من الخلاف، ونسي يوماً الإقامة من بعض الصلوات. فلما سلم، قال لمن خلفه: إني نسيت الإقامة، ولا يلزمكم عندي إعادة. وأنا أعيد صلاتي. لأخرج من اختلاف العلماء. فاحتاط لنفسه رضي الله عنه. لأن عطاء ابن أبي رباح، والأوزاعي وغيرهما، يريان الإعادة، على من نسيها. رضي الله عنهم أجمعين، وغفر لهم وبالله التوفيق.


ذكر آياته وإجابته وفضائله، وهيبته، وتوكله :


قال: وكان العلماء، رضي الله عنهم، بالقيروان وغيرها، والفضلاء يقصدونه ويزورونه ويتبركون برؤيته، ويسألونه الدعاء لهم. وكان أبو محمد بن أبي زيد، رحمه الله يقول: قوي قلبي إذ بلغني أنه يدعو لي. وكان أبو الحسن القابسي وغيره بقصده. قال أبو الحسن: لما سافرت إليه، أول سفرة، وقربنا من جبنيانة. دخل في قلبي منه رعب وهيبة عظيمة، وقلت لأصحابي: أخشى أن يجري على لسان هذا الشيخ، من أحوالنا شيء يظهره الله للناس، أو كلاماً هذا معناه. فوجدناه غائباً ليصلي على جنازة. فلما جاء وقت الصلاة وأذّن، ما ملكت نفسي عند سماع أذانه، حتى جلست الى الأرض، وسمعت أذاناً ما سمعت مثله، ثم دخنا المسجد، فلا أحد يتكلم إلا أن يسلّم سلاماً خفياً. فلما صلى انصرف. فسلمنا عليه، فكان منه إقبال عظيم. وكان قبل دخولنا جبنيانة، تكلم معنا بعض أصحابنا، فقال لنا رجل من العرب: وخطب إلي ابنتي رجلان صالحان من الموالي، فإن زوجتها لم تطب نفسي، وإن رددتهما خشيت أن لا تأخذ مثلهما. فكان أول شيء سمعنا من الشيخ قال: كان لسحنون بن سعيد صاحب من المغرب، خطب ابنته رجل من الموالي. فشاور سحنوناً، فقال له: زوّج من له دين ومروءة، ولو انفلقت عنه بعرة. ثم حوّل الجبنياني رأسه قِبَل صاحبنا فقال: هكذا قال سحنون. فقلت له قد أفتيت في مسألتك على لسان الجبنياني. وكان أبو إسحاق رحمه الله، قد سأل الله أن يبيّن له أهل البدع والمحدثين في الدين. فكان ربما لقيه قوم فيسلم على بعضهم، ويتفرس في آخرين فراسة سوء، فيقف عن السلام عليهم، فيكشف عنهم، فيوجدون على ضلالة، وله في هذا الباب أخبار مأثورات كثيرة. ولقد أتاه حسن بن رشيق، وزير السلطان، وابن النديم، فلما قربا من مسكنه قال أحدهما للآخر: أصابك مثل ما أصابني? قال له: وما هو? قال: إن عنان فرسي يسقط من يدي من الرعب. فقال له الآخر أصابني أشد من ذلك. فانصرفا ولم يجسرا على لقائه. وكان رجل من أهل السنّة، بقرية مشارقة ومعتزلة، ليس فيهم سني غيره، وعلى قريتهم كتامي. يقال له أبو دكدك. من الفراعنة. فقال جيرانه، لأبي دكدك: تكتب عليه محضراً أنه سبّ السلطان، وتأخذ أنت ماله، وتقتله. فإذا سألك السلطان عن قتله، أخرجت المحضر، فأمر باعتقال دار الرجل، لينزل عليها بالليل، فتحيل حتى خرج من الدار، ووصل الى أبي إسحاق، وقد ذهل عقله، فسلم سلاماً محتفلاً فقال له: ما بالك? قال: أبو دكدك جرى عليّ منه ما جرى، كذا وكذا. فقال أبو إسحاق: من أبو دكدك? دكدك الله به الأرض. ثم قال لمن حوله: إن صاحبكم مضطرب فاقصدوا به باب الملك الجبار. وأقبل على الدعاء، ومن حضر يؤمّن. ثم قال: تُكفى مؤنته، إن شاء الله تعالى. فكان من دعائه: اللهم دكرك الأرض بأبي دكرك. فلما كان الغد، أتانا السنّي يعرفنا أن أبا دكرك، قتله عبيد والي البلد، وأخفوه. فاجتهدوا في طلب جسده وبذل السلطان عليه مالاً، فما وُجد له أثر. دكرك الله به الأرض. وسلم السني. قال اللبيدي: ووصل إلينا محمد الترجمان، وطلب من أهل موضعنا خمراً. فقالوا له: ما بهذا البلد أحد يشربها لانا بجوار هذا العابد - يعنون أبا إسحاق - فقال: مَن العابد? أنا أخرج قلبه على رمحي، ما يعرف هو غير مولاه - يعني السلطان - فمضى أهل القرية يشكون الى أبي إسحاق، ويعرّفوه. فقالوا: إنا خائفون على أنفسنا، وحريمنا. وقد تركوا معه أحدهم يلاطفه. فوجدوا أبا إسحاق مستقبلاً، فدعا بدعاء عظيم. ثم قال: تكفون مؤنته إن شاء الله. لا يدخل إليكم أبداً. قال أبو القاسم: فرجعوا ورجعت معهم، فوجدناه قد شدّ على خيله متوجهاً الى الجبل. فسقط في جرف، وسقط عليه فرسه، فمات. قال أبو إسحاق: رأينا منه ما يضيق بوسعه الكتاب. ومرّ به صاحب خير السلطان، وهو يؤذن، فقال له: يا منافق. لم تصدّ عن دعوة مولانا? فلما قضى الشيخ أذانه، قال: أذلك الله يا فاسق على يد من اعتززت به. فنقم عليه السلطان شيئاً فضربه خمسماية سوط. وصُلب حيّاً. فكان يقول: دواء مجرب، من أحب أن يضرب خمسماية سوط ويصلب حياً فليسبّ الجبنياني. قال أحد أولاده: خرجنا عند الغروب من صفاقس، مع الشيخ، فأظلم علينا الليل، فلقينا السلاّبة. وقد شهروا حديدهم. فلما قربوا من الشيخ، قال: لا إله إلا الله، ينبغي للخلق أن يستحيوا من الله. ففرّت السلابة. ثم تمادينا نمشي في الظلمة. فإذا مشعلة نار،
مرة عن يميننا، ومرة عن يسارنا. حتى حاذينا منزل مروان العابد. فقال الشيخ: أنا أرجع الى عند مروان. وتمادوا أنتم. ثم حوّل وجهه الى الشعلة. فقال: يا فاسق، يا لعين، قد عرفناك، واتقيناك، إخساً فعليك لعنة الله. وطفيت الشعلة. قال بعض أصحابه العباد: نبتني نبت في أصل العجز وأقعدني، ولم أقدر أن أصلي معه، لا قائماً ولا جالساً، إلا مضطجعاً. فحملت حتى وصلت إليه، فأخبرته وقلت: قيل لي تكتوي بالنار. فخفت من النار. فبكى وقال: أي والله ينبغي لك أن تخاف من النار. ثم قال لي: اجعل يدك على المكان، ففعلت وجعل يدعو، ثم قال لي: قم فقد شفاك الله. فوالله لقد ركبت الدابة، فما مسكها أحد كأني ما مسني شيء قط. قال عمر بن مثنى: كل من أدركت بهذا الساحل من عالم أو عابد، يستتر ويتروى بدينه، خوفاً من بني عبيد، إلا أبا إسحاق، فإنه واثق بالله، فلم يسلمه، ومسك الله به قلوب المؤمنين، وأعزّ به الدين، وهيّبه في أعين المارقين. وحضر أبو إسحاق جنازة بنت بعض أصحابه، فصلى عليها وانصرف كل من في السوق للصلاة عليها، خلفه. فرفع الأمر الى سلطان الشيعة: معد. وقيل له: إنه مطاع. فأمر بالبرد فخرجوا فيه. فسمع وزراؤه بذلك فأتوه، حفاة مشاة يقولون: إنا نخشى الهلاك. ما ظنّك برجل مجاب الدعوة، منقطع عن الدنيا. فرد البرد، وأرسل شيخاً من كتامة، في زي ناسك، ليختبر له أحواله، واختفى الشيخ الكتامي خلف حصير في المسجد، حتى جاء أبو إسحاق فأذّن للمغرب، وأقا، وصلى. فخرج الكتامي، من وراء الحصير، فقال له: يا منافق على مولانا، لا تؤذن حي على خير العمل? ولا تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولا تسلم على ناحيتين. ما لمولانا عدو مثلك? فدعا عليه. ثم قال: اللهم اجعله آية للعالمين. فطارت عيناه، جميعاً. فأخرج من المسجد يقاد وهو يقول: الموت، الموت مع هذا الشيخ لا تقربوه. وانصرف الى معد. فارتاع وقال لوزرائه: كيف ترون لو بدر منا فيه بادر. وكان - لما صلى على هذه الجنازة - بقربه رجل، فقال: يا أبا إسحاق، الوقت لا يحتمل. فقال له إنّا لم نبلغ درجة الصديقين، حتى نقتل على الحق. فقال له: يا أبا إسحاق، عندي دعاء الخليل، حين ألقي في النار، ودعاء يونس حين التقمه الحوت. فقال له الشيخ: يا مسكين، إن كنت تدعو دعاء الأنبياء، وتفعل فعل الفراعنة، فمن تخادع? وصلى مرة على جنازة امرأة، فجيء بجنازة كتامي، كبير. ومعه خلق منهم. فقالوا: الصلاة على هذا الشهيد. فلم يرد عليهم. فلما فرغ من دفن المرأة، انصرف وتركهم وقوفاً بتابوتهم. فافترق أصحابه، ومن معه من حوله. خوفاً أن يضعوا فيهم أيديهم. فلما ذهبوا بجنازتهم، أدركنا الشيخ، وقلنا له: الوقت، كما علمت، وهؤلاء أصحاب السلطان، فأولى بك ألا تخرج للصلاة على الجنائز، فلما أكثرنا عليه، قال: كأنكم خفتم عليّ منهم. قلنا: نعم. قال: اللهم إن كنت تعلم أني أخافهم دونك، فسلطهم عليّ. فأمنّا حينئذ ومشينا معه. وجاء إليه مرة، صاحب الأسطول في عسكر عظيم وصقالبة. فلما سلم الشيخ من الصلاة مضى إليه، حسون ومن معه، ليسلموا عليه. فحوّل إليهم وجهه، وهو مغضب، وقال لهم: خير ما لكم عندي. فما أعرف فلاناً، ولا فلاناً في الدارين، غير الله، هو الضار النافع. وأتاه يوماً حاكم سفاقص، وكانت تشرّف، وابن حجاج من أصحاب السلطان، فجلسا بين يديه، الى جانب مزبلة، وجلس بينهما شيخ ضعيف العقل. فأقبل يثني عليهما. فقال أبو إسحاق: جاء في الحديث: احثوا التراب في وجوه المدّاحين، وجاء في الحديث: إذا مدح الفاسق غضب الله عزّ وجلّ. ولا سبيل الى التخلف عما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. فحثا بيده في وجه الشيخ الضعيف العقل، ثلاث حثيات، فامتلأت لحية الحاكم وصاحبه. وانصرفا. وكان في أصحاب أبي إسحاق، رجل مؤدب يزوره كل جمعة. فسرقت دابته، فطلبها فلم يجدها. قال: فأتيت أبا إسحاق وأنا أبكي، فعرّفته. فقال: يا ضعيف العقل، على دابة تبكي. فقلت: والله ما بكيت إلا لوجهين، أحدهما انقطاعي عن زيارتك، والآخر جهادي بها عن بنيات لي. فدعا لي دعاء كثيراً، ونحن نؤمّن على دعائه، ونبكي. وذلك نصف النهار، فانصرفت. فلما كان بعد ذلك بليلتين أو ثلاث، قرع على الباب. وقيل لي: أخرج خذ دابتك، فخرجت، فإذا بدابتي مع ثلاثة رجال. فسألوني أن أجعلهم في حلّ، وقالوا: ما قصدنا دارك ولكن غلطنا. فقلت لهم:
لابد لكم أن تخبروني بقصّتكم، فقالوا: ذهبنا بدابتك فنحن في الضحى، نصف النهار، إذ بصوت يقول: الى أين تذهبون، يا فسقة بداية الجبنياني? فنظرنا فلم نرَ شيئاً. ثم مشينا، فسمعنا بالصوت ثانية، فألقي في قلوبنا الرعب. فرجعنا حتى أتينا الليلة دار الجبنياني، فقرعنا عليه الباب، فقلنا له: خذ حمارتك واستغفر لنا، فقد فعلنا فيك ما لا يحل. فقال: أنتم يا مساكين، ابتليتم بهذه الدابة? قلنا: نعم، وأخبرناه. فقال: أنتم على طهارة? قلنا: لا. فأخرج لنا قلة وقدحاً وحبلاً. فاستقينا من بئر، واغتسلنا، ثم أتيناه فصلّينا وراءه ركعتين. وسأل الله لنا في التوبة. ثم قال: وصّلوا الدابة الى صاحبها. فجئناك بها. وكان أبو إسحاق، قلما يتغير على أحد فيفلح. قال لإنسان لاحه في شيء أنكره على آخر، لجهره في صلاة نافلة النهار. وقال له: يا هذا إن مالكاً، استحب فيها الإسرار. سيما في المسجد، لما يخلط على الناس. فقال الرجل: قد جهر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمر بن عبد العزيز. فقال له أبو إسحاق: كان ذلك بالليل، وقد عاب عليه ذلك سعيد بن المسيّب. فقال له الرجل: تقول، سعيد حجة? فقال الشيخ: يا متعوس. أمام دار الهجرة، وشيخ التابعين، تقول هذا فيه? ما أراك تفلح والله، ما أراك تموت على الإسلام. ومات معتزلياً بعد ذلك. وقال له أبو سعيد ابن أبي عباس: سألتك بالله، يا أبا إسحاق أجبني عما أسألك عنه، فقال له: ما هذا يا أبا سعيد? إن سألتني عما أعلم أجبتك. فقال له: هل اجتمعت بالخضر عليه السلام، أم لا? فسكت منكراً. ثم رفع رأسه فقال: أعوذ بالله أن أدعي ما ليس ي بحق، يمرّ بي هاهنا أقوام يسلّمون عليّ بالليل، لا أدري أجنّ هم أم أنس. قال اللبيدي: أخبرت الشيخ أبا الحسن بهذه الحكاية. فقال هذا جواب عالم. لم ينكر ولا أقر. هي جيّدة. وقيل لزوجته، هل رأيت من أمره شيئاً تخبرين به? فسكتت وأبت من القول. فلما مات، سئلت، فقالت: إني في ليلة ظلماء حتى رأيت نوراً أغشى الحجرة، وموضع الشيخ. واسمع الحديث، فرعبت. وأقام ذلك مدة. فأحس بي أني يقظانة. فقال لي: احذري أن تذكري ما رأيت، ما دمت حياً. لكم أن تخبروني بقصّتكم، فقالوا: ذهبنا بدابتك فنحن في الضحى، نصف النهار، إذ بصوت يقول: الى أين تذهبون، يا فسقة بداية الجبنياني? فنظرنا فلم نرَ شيئاً. ثم مشينا، فسمعنا بالصوت ثانية، فألقي في قلوبنا الرعب. فرجعنا حتى أتينا الليلة دار الجبنياني، فقرعنا عليه الباب، فقلنا له: خذ حمارتك واستغفر لنا، فقد فعلنا فيك ما لا يحل. فقال: أنتم يا مساكين، ابتليتم بهذه الدابة? قلنا: نعم، وأخبرناه. فقال: أنتم على طهارة? قلنا: لا. فأخرج لنا قلة وقدحاً وحبلاً. فاستقينا من بئر، واغتسلنا، ثم أتيناه فصلّينا وراءه ركعتين. وسأل الله لنا في التوبة. ثم قال: وصّلوا الدابة الى صاحبها. فجئناك بها. وكان أبو إسحاق، قلما يتغير على أحد فيفلح. قال لإنسان لاحه في شيء أنكره على آخر، لجهره في صلاة نافلة النهار. وقال له: يا هذا إن مالكاً، استحب فيها الإسرار. سيما في المسجد، لما يخلط على الناس. فقال الرجل: قد جهر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمر بن عبد العزيز. فقال له أبو إسحاق: كان ذلك بالليل، وقد عاب عليه ذلك سعيد بن المسيّب. فقال له الرجل: تقول، سعيد حجة? فقال الشيخ: يا متعوس. إمام دار الهجرة، وشيخ التابعين، تقول هذا فيه? ما أراك تفلح والله، ما أراك تموت على الإسلام. ومات معتزلياً بعد ذلك. وقال له أبو سعيد ابن أبي عباس: سألتك بالله، يا أبا إسحاق أجبني عما أسألك عنه، فقال له: ما هذا يا أبا سعيد? إن سألتني عما أعلم أجبتك. فقال له: هل اجتمعت بالخضر عليه السلام، أم لا? فسكت منكراً. ثم رفع رأسه فقال: أعوذ بالله أن أدعي ما ليس ي بحق، يمرّ بي هاهنا أقوام يسلّمون عليّ بالليل، لا أدري أجنّ هم أم أنس. قال اللبيدي: أخبرت الشيخ أبا الحسن بهذه الحكاية. فقال هذا جواب عالم. لم ينكر ولا أقر. هي جيّدة. وقيل لزوجته، هل رأيت من أمره شيئاً تخبرين به? فسكتت وأبت من القول. فلما مات، سئلت، فقالت: إني في ليلة ظلماء حتى رأيت نوراً أغشى الحجرة، وموضع الشيخ. واسمع الحديث، فرعبت. وأقام ذلك مدة. فأحس بي أني يقظانة. فقال لي: احذري أن تذكري ما رأيت، ما دمت حياً.


ذكر جمل من حكمه وفصول من كلامه في العلم، حسان


قال أبو القاسم: كان الجبنياني، حكيم القول، وكان إذا رئي ذكر الله تعالى من هيبته. قد جفّ جلده على عظمه. واسودّ لونه، كثير الصمت قليل الكلام. فإذا نطق، نطق بالحكمة. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق قلما يترك ثلاث كلمات، كن الخير كله: اتّبع لا تبتدع. اتضع لا ترتفع، من ورع لم يتسع. وكثيراً ما يقول: خمسة تعاونوا على هلاك ابن آدم المسكين: مؤمن يحسده، وكافر يرصده، وشيطان مارد، ودنيا حاضرة، ونفس أمارة بالسوء، وكان يقول: إذا رأيت الشاب قذراً، في شبيبته، فإذا كبر يكون شيخ سوء. ويقول: إذا رأتك زوجتك وولدك وخادمك تعصي الله، كان أول من يذلك: هم. وقيل له يوماً: ما أقل من يأكل الحلال. فقال: ما أقل من يكسب حلالاً. والدار يكون فيها من الأهلين العشرة وأكثر، ينقلب لهم المسكين الساعي عليهم، فيأكلونها وهم لا يعلمون من أين هي، حلالاً. ويكسبها المسكين حراماً وحلالاً. قال أبو الحسن القابسي: لما خرجنا عنه هربت من يد صبي دابة، كان يمسكها لنا. فقلت: أعطوها لصبي لا يقوم بها فضاعت فقال لي أبو إسحاق: قد اغتبته. فقلت له: وصفته بحاله وقلة مقدرته. وفي السنّة ما يبيح ذلك. فقال: وأين هو? قلت قوله عليه السلام التي شاورته في النكاح: أما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه. وأما معاوية فصعلوك لا مال له. قال، فقال لي: ليس في هذا حجة. لأن المستشار مؤتمن. وأيضاً، فإنما مشاورته لتنكح برأيه، يدخلها في النكاح، أو يصرفها عنه. وليست مسألتنا كذلك. بل في السنّة ما يمنعك من ذلك. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه طبيبان، وكانا نصرانيين، فلما خرجا، قال: لولا أن تكون غيبة لأخبرتك أيهما أطبّ. قال أبو الحسن: ولم أكن أعرف أنهما نصرانيان قبل ذلك، قال: فهذا رسول الله كره في نصرانيين أن يخبر أيهما أطبّ، فكيف بمسلم? ثم قال لي: أرأيت هذا الصبي، لو سمعك أليس كانت توجعه نفسه، وأيهما كان أحب إليك، تجد ذلك في صحيفتك، أو لا تجده. فقلت له: صدقت. وسئل يوماً عن الزراعة التي في الطرقات، تمر عليها الدواب. فتغلب على أكل ما دنا منها. فقال: أرأيتم لو قيل لكم، إنها إن أكلته هلكت، ما كنتم تصنعون? قلنا نحتفظ منها، ولو لم نجد إلا أرديتنا، ربطناها على أفواهها. قال: فكذلك فاصنعوا بها إذا مررتم. قال بعض أصحابه: لما حججت أتيت معي بحصيات من حصباء المسجد الحرام. فقلت لأبي إسحاق: إني أتيت معي بحصيات من حصباء المسجد الحرام، أتحب أن أعطيك منهن شيئاً تسبح بها? فقال لي: يا أحمق، ارم بهن، فعلى أقل من هذا، عبدت الحجارة. فعرّفت القابسي بهذا، فأعجبه فقه أبي إسحاق. وقال أبو الحسن: قال مالك فيمن يخرج بشيء من حصباء المسجد في نعليه، إن كان قريباً من المسجد، ردها وإن بعد رمى بها. قال محمد بن سهلون: قلت لأبي إسحاق، ما تقول في يزيد بن معاوية? فسكت عني. ثم قال لي: إن أهل السنّة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب دون الشرك. ولكن ليس على المرء أن يحب ما يكره، كما يحب من يحبه. فذكر قوله القابسي، فأعجب به. وقال: لو سألت عن هذه المسألة أبا الحسن الأشعري، فيما أراه، ما كان يجيب فيها بأكثر من هذا. والله ما على الإنسان ذلك. وكان رحمه الله، يمكن أوقات الصلوات. فكلّم في ذلك. وقيل له: لعله يجتمع إليك أهل القرى، التي حولك، ليدركوا صلاة الجمعة. فقال: ليس كذلك. لكن هؤلاء القوم، يعني بني عبيد، كادوا الدين، وتسللوا الى هدمه. لأنهم لو قالوا للناس: لا تعبدوا الله، لم يقبلوا منهم، ولو قالوا لهم: اتركوا الصلاة، لم يقبلوا منهم. فتحيلوا كيف يبطلون صلاة العباد، فجعلوا يُذنون قبل الوقت، وجعلوا صلاة الظهر، تقارن الزوال. وربما وقعت قبله. وجعلوا صلاة العصر وقت صلاة الظهر، تقارن الزوال. وطبعاً إذا ما انقطع الناس إليهم في وضع الصلاة في غير وقتها، ولو بساعة، أن ينطاعوا لهم في الترك، وكانت فتنتهم بذلك لا تخفى، على عوام الناس. فأردت أن أمكن الظهر والعصر، من غير أن أخرج عن الوقت المحمود، الى الوقت المذموم. حتى تكون صلاتي للظهر، وقت صلاتهم العصر. فيعلم العامة أن فعلهم ضلال. وكان أبو الحسن، يمكن الأوقات. قال اللبيدي: فكلمته في ذلك. فقال لي: كيف الجبنياني يصنع. قلت: كفعلك. وحكيت له الحكاية. فقال لي: حسبك بهذا الجبنياني إمام يقتدى. وما يروى من كلام أبي إسحاق مقاماته،
أكثر مما ذكرناه، وأوسع مما أردناه. وفي هذا كفاية، لمن نوّر الله قلبه، وهُدىً لمن أراد رشده.ر مما ذكرناه، وأوسع مما أردناه. وفي هذا كفاية، لمن نوّر الله قلبه، وهُدىً لمن أراد رشده.


ذكر سيرته في التعليم :


وكان رحمه الله يعلّم القرآن ويشترط، إذا كان أولاده صغاراً، ثم علّم ولم يشترط، ثم ترك. وكان في تعليمه يتحفظ كثيراً. ويقول رضي الله عنه، رحم الله محمد بن سحنون، لو علّم لرفق بالمتعلمين - يريد لأنه شدد عليهم في كتابه - وكل من تعلّم على يد أبي إسحاق، انتفع به، إلا قليل. وكان يقول: لا تعلموا أولادكم إلا عند رجل حسن الدين. فدين الصبي على دين معلمه، فلقد عرفت معلماً كان يخفي القول بخلق القرآن، ففطن له، فلما علم أنه يطرد، وقف بين يدي مكتبه وقال لصبيانه: ما تقولون في القرآن? قالوا لا علم لنا. فقال: هو مخلوق، ولا تُزالون عن هذا القول لو قُتلتم. فماتوا كلهم على هذا الاعتقاد. قال: وبلغنا عن معلم عفيف، رئي وهو يدعو حول الكعبة ويقول: اللهم أيما غلام علمته، فاجعله في عبادك الصالحين، فبلغني أنه خرج على يديه نحواً من تسعين عالم وصالح. وكان يتعلم عنده جماعة من أولاد الكتاميين، ولا يأخذ منهم شيئاً، ولا يعلمهم يكتبون، يقول: لم يصلحوا بعد لذلك، حتى يصلح. فخرج كل كتامي علمه على الكتاب والسنّة. وكان يعلّم اليتامى والفقراء لله عزّ وجلّ. وكان صبيان الكتاب يأتونه، بدجاج وفراخ وطير بلغ، يعطونه إياه، ويقولون صدناه، لم يقبله منهم. فإذا قالوا له وجهه إليك آباؤنا قبله. لأن عطيّتهم لا تجوز.


وفاته وذكر تركته :

قال اللبيدي: توفي أبو إسحاق رحمه الله، يوم الأحد السابع من محرم. سنة تسع وتسعين وثلاثماية. ودفن يوم الإثنين بعده بشرق جبنيانة. وسنّه تسعون سنة. ووجدت بعد موته رقعة تحت حصيره، مكتوبة بخطه: رجل وقف له هاتف فقال له: أحسن، أحسن عملك. فقد دنا أجلك. فقال لي ولده عبد الرحمن: إنه كان إذا قصّر في العمل، أخرج الرقعة، فنظر فيها، ورجع الى جدّه. وصلى عليه ابنه أبو الطاهر، واجتمع إليه خلق كثير، خرجوا به غدوة الاثنين. فما وصلوا الى الصلاة عليه إلا بعد الزوال، وما وجدوا له في الدنيا قليلاً ولا كثيراً، إلا أمداد شعير في قلة مكسورة. والحجرة التي كان يسكنها إنما كانت لابنه رحمه الله ورضي عنه.

ذكر بنيه رضي الله عنه :

كان عنده من الأولاد سبعة. أبو بكر، وأبو الطاهر أحمد، وأبو عبيد الله محمد، وأبو علي، وأبو زيد عبد الرحمن، وأبو محمد عبد الله، وأبو الحسن علي. فأما أبو علي، فمات قبل أن يحتلم. ثم مات عبد الله، وهو دون الثلاثين. وكان أشد من الشيخ اجتهاداً في العبادة، قتله القرآن، كلما مرّ بوعد أو وعيد بكى، حتى أذاب الحزن فؤاده. فمات. قال أبو القاسم اللبيدي: فحضرت موته والشيخ يلقنه، حتى مات. فأغمضه. ثم استرجع على المصيبة، ودعا له. ثم قال لوالدة عبد الله - وهي زوجة الشيخ وكانت قريباً منه في الفضل والعبادة: احمدي الله، فقد مات على الإسلام، وجعل في صحيفتك. فإن كان عندك طيب فتطيبي، وتجملي لنعم الله عز وجلّ. وأخرج ميزراً عنده، تجمّل به، وركع. ثم جلس للناس، والبشر ظاهر عليه. وتوفي أبو الحسن أيضاً في حياة أبيه. وتوفي عبد الرحمن بعد أبيه، بثلاث سنين، وكان من الفقهاء العباد، يختم في كل ليلة ختمة. وأما أبو الطاهر فكان من أهل القرآن. وكتب الحديث، ولقي أبا الورد وغيره، وكان أبو بكر وأبو عبد الله من أهل القرآن، ويعلّمانه رحمهم الله، ورضي عنهم أجمعين.

عن مصطفى أمين






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://jben.forumssale.com
 
حياة سيدي ابي اسحاق الجبنياني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: التعريف بجبنيانة :: معلومات عامـــة-
انتقل الى:  

تذكرني؟

المقــالات والمـواد المنشورة في المنتـدى لاتُعبرعن رأي الادارة ويتحمل صاحب المشاركـة كامل المسؤوليـة عن اي مخالفـة او انتـهاك لحقوق الغيــر.
* جميع الحقوق محفوظة ©-2011منتدى جبنيانة *
يستحسن إستعمال Firefoxلتصفح المنتدى